الرئيسية / دين ودنيا / الرسول المعصوم والعتاب الإلهي.

الرسول المعصوم والعتاب الإلهي.

بقلم / محمد سعيد أبوالنصر
هل عتاب الله للرسول يعني أنه يُخطئ ؟ هناك مَنْ لا يعترف بأنَّ الرسول معصوم مِن الخطأ ، ويقدم الأدلة على ذلك بأنَّ الله عاتبه في أكثر من موضع في القرآن الكريم ومِن ذلك سورة ” عبس وتولى ” وغيرها من المواضع القرآنية ..فهل يعني العتاب أنَّه غير معصوم ؟
والجواب :
ما معنى العصمة ؟وماهي جوانب شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ؟
1-معنى العصمة.
أ-العصمة في اللغة :تأتي على عدة معانٍ منها:1- المنع.2- الحفظ.3- القلادة.4- الحبل.، وهذه المعاني ترجع إلى المعنى الأول، الذي هو (المنع)؛ فالحفظ: منعٌ للشيء من الوقوع في المكروه أو المحظور، والقلادة: تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردي.
ب-معنى العصمة في الشرع:
العصمة تعني :حفظ الله تعالى لنبيه عن مواقَعة الذنوب الظاهرة والباطنة، والعناية الإلهية به في كل أطوار حياته، قبل النبوة وبعدها، على المعتمد، فالعصمة محيطةٌ به، تحرُسُه من الوقوع في منهيٍّ عنه شرعًا أو عقلاً، وقد عُرفت العصمة بأكثر من تعريف من هذه التعاريف .
1- “لطفٌ من الله تعالى يحمل النبيَّ على فعل الخير، ويزجره عن الشر، مع بقاء الاختيار؛ تحقيقًا للابتلاء”
2-أو هي: ” حفظ اللهِ – عز وجل – للأنبياء، بواطنِهم وظواهرِهم، من التلبُّسِ بمنهيٍّ عنه، ولو نهي كراهة، ولو في حال الصِّغر، مع بقاء الاختيار؛ تحقيقًا للابتلاء”.
وصدق القائل :
وإذا العنايةُ لاحظَتْك عيونُها ** نَمْ؛ فالمخاوفُ كلُّهن أمانُ
وهذا ثابت في حقه، ولازم له، ولو فقَدَ شيئًا من العصمة، لضاع الوحي
2- شخصية الرسول.
لشخصية الرسول جانبان :
1-الجانب البشري 2-الجانب النبوي
1-الجانب البشري في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم :
للرسول جانبان في حياته : جانب بشري ، وجانب نبوي، أمّا الجانب البشري فهو فيه كالبشر: يحب ويكره ، ويرضى ويغضب ، ويأكل ويشرب، ويقوم وينام … إلخ، “فهو بشر يعتريه ما يعتري سائر أفراد البشرية ،وقد يمتد إليه أيدي الظلمة ، ويناله الاضطهاد ،”مع ما ميَّزه الله به في هذا الجانب في بعض الأشياء؛ كسلامة الصدر ، والقوة في النكاح، وعدم نوم القلب، وغيرها من الخصوصيات التي تتعلق بالجانب البشري. والرسول في الجانب البشري يمارس الاجتهاد “والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل في مناطق وميادين الاجتهاد التي لم ينزل فيها وحى إلهى.” واجتهاداته صلى الله عليه وسلم فيما لا وحى فيه ، والتي هي ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية ، تصادف الصواب والأولى ، كما يجوز عليها غير ذلك.. ومن هنا رأينا كيف كان الصحابة ، رضوان الله عليهم في كثير من المواطن وبإزاء كثير من مواقف وقرارات وآراء واجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه – قبل الإدلاء بمساهماتهم في الرأي – هذا السؤال الذي شاع في السُّنة والسيرة: ” يا رسول الله ، أهو الوحي ؟ أم الرأي والمشورة ؟.. ” فإن قال: إنّه الوحي. كان منهم السمع والطاعة له ، لأنَّ طاعته هنا هي طاعة لله.. وهم يسلمون الوجه لله حتى ولو خفيت الحكمة مِن هذا الأمر عن عقولهم ، لأنَّ علم الله – مصدر الوحي – مطلق وكلي ومحيط ، بينما علمهم نسبي ، قد تخفى عليه الحكمة التي لا يعلمها إلَّا الله.. أمَّا إنْ قال لهم الرسول – جوابًا عن سؤالهم -: إنَّه الرأي والمشورة.. فإنَّهم يجتهدون ، ويشيرون ، ويصوبون.. لأنَّه صلى الله عليه وسلم هنا ليس معصومًا ، وإنَّما هو واحد من المقدمين في الشورى والاجتهاد.. ووقائع نزوله عن اجتهاده إلى اجتهادات الصحابة كثيرة ومتناثرة في كتب السنة ومصادر السيرة النبوية
– في مكان القتال يوم غزوة بدر..
-وفي مكان القتال يوم موقعة أُحد..
-وفي مصالحة بعض الأحزاب يوم الخندق.. إلخ.. إلخ.
-ولأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد أراد الله له أنْ يكون القدوة والأسوة للأمة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ) (7). “وحتى لا يقتدي الناس باجتهاد نبوي لم يصادف الأولى ، كان نزول الوحي لتصويب اجتهاداته التي لم تصادف الأولى لأنَّه-صلى الله عليه وسلم- لا يقر إلَّا على صواب ، بل ومعاتبته – أحيانًا – على بعض هذه الاجتهادات والاختيارات من مثل:
-عتابه بشأن أسرى بدر، فقد “عوتب في شأن الأسرى ببدر “(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) (10). الآية، [ الإنفال ، 67]).
-وعتابه بشأن زواجه من زينب – رضي الله عنها – فقد عوتب في شأن زيد بن حارثة وزينب بنت جحش “وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه” الآية، [الأحزاب : 37] -وعتابه في عبد الله بن أم مكتوم – رضي الله عنه -: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى ) (8). ” [ عبس : ].
-وعتابه في قوله تعالى : (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ) (9).
“وغيرها من مواطن التصويب الإلهي للاجتهادات النبوية فيما لم يسبق فيه وحي ، وذلك حتى لا يتأسى الناس بهذه الاجتهادات المخالفة للأولى.”
وهذا التصويب الإلهي تنبيه للنبي وإرشاد له على ما وقع منه خلاف الأولى “وهذا ما لا يتأتَّى لأحد من البشر غيره ، فتأمله.”
وبالنظر إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنه يخبر عن نفسه بأنَّه بشر وأنَّ البعض قد يلحن بحجته فيأخذ ما ليس له ، قال – صلى الله عليه وسلم -: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، من حق له أخيه شيئاً، فلا يأخذ، فإنما أقطع له من النار”
-والله تعالى قد أخبر عن عامة الأنبياء كسيدنا آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم طلب التوبة والاستغفار من الله ،وهذا معناه أنه قد يصدر منهم خلاف الأولى : قال سيدنا آدم- عليه السلام -: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23]، وقال نوح عليه السلام: ﴿ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [هود: 47]، وقال الخليل عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 41]، وقال هو وإسماعيل عليهما السلام: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 128]، وقال موسى عليه السلام: ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: 155، 156]، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: 143] ، والله تعالى ﴿ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، وفي أواخرِ ما أنزل اللهُ على نبيِّه: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 1 – 3].
وفي الصحيحين عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في افتتاح الصلاة: “اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من الخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسِلْني من خطاياي بالثلج والبَرَد والماء البارد”
وفي الصحيح أنه كان يقول في دعاءِ الاستفتاح: “اللهم أنت الملِكُ، لا إلهَ إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذَنْبي؛ فاغفِرْ لي ذنوبي جميعًا؛ إنه لا يغفِرُ الذنوبَ إلا أنت”.
وفي الصحيح أيضًا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: “اللهم اغفِرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، علانيته وسرَّه، أوَّلَه وآخِرَه”.
وفي الصحيحينِ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: “اللهم اغفِرْ لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنتَ أعلمُ به مني، اللهم اغفِرْ لي هَزْلي وجِدِّي، وخطَئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، لا إله إلا أنت”. ومثلُ هذا كثيرٌ في الكتاب والسنَّة.”
2-الجانب النبوي في شخصية الرسول .
وأما الجانب النبوي فحياته صلى الله عليه وسلم معصومة في هذا الجانب، ليظل الوحي محفوظا ، لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحي والبلاغ عن الله ولضاعت ثقة الناس في هذا الوحي القادم من السماء .
ويمكن تقسيم العصمة في الجانب النبوي من شخصية الرسول الى قسمين :
1-عصمته في حياته من الموت 2- وعصمة الوحي والتبليغ .
أما عصمة حياته من الموت :
فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يُحْرَسُ من قبل بعض أصحابه حتى نزل قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67].، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سهر رسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم – مقدمه المدينة ليلة، فقال: «ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة»، قالت: فبينا نحنُ كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: «من هذا؟» قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «ما جاء بك؟» قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ثم نام، قالت عائشة رضي الله عنها: فنام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى سمعت غطيطه “أي الصوت الذي يخرج من النائم.
وروى الترمذي في سننه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يُحْرَسُ حتى نزلت هذه الآية: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾، قالت: فأخرج النبي – صلى الله عليه وسلم – رأسه من القبة، فقال لهم: «يا أيها الناسُ انصرفُوا فقد عصمني الله»
قال ابن كثير: ومن عصمة الله لرسوله – صلى الله عليه وسلم – حفظه له من أهل مكة وصناديدها، وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة؛ فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه؛ فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذىً يسيراً، ثم قيّض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود، فكلما همّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء، كاده الله ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمَّه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه”
ومن الأمثلة على حفظ الله لرسوله – صلى الله عليه وسلم – ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال أبو جهل: هل يُعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ “، قال فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فاجئهم منه إلا وهو ينكصُ على عقبيه”، ويتقي بيديه، قال فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لو دنا مني لاختطفتهُ الملائكة عضوًا عضوًا»
ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – في قصة الهجرة النبوية، قال: فارتحلنا بعدما مالت الشمس، واتَّبَعَنا سراقةُ بن مالك، فقلت: أُتينا يا رسول الله، فقال: «لا تحزن إن الله معنا»، فدعا عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – فارتطمت به فرسه إلى بطنها ـ أُرى ـ في جلد من الأرض ـ شك زهير ـ فقال: إني أراكما قد دعوتُما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي – صلى الله عليه وسلم – فنجا، فجعل لا يلقى أحداً إلا قال: قد كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحداً إلا رده، قال: ووفى لنا”
ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر – رضي الله عنه – قال: غزونا مع رسُول الله – صلى الله عليه وسلم – غزوة قبل نجد فأدركنا رسُول الله – صلى الله عليه وسلم – في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناسُ في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن رجلاً أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتاً في يده، فقال لي من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، قال: فشام ” السيف أي سقط ، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ” فهذه الأمثلة وغيرها تفيد حفظ الله تعالى لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – وذلك تصديقاً لوعده سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67]، حتى يبلغ هذه الدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: 9].
2-عصمة الوحي والتبليغ :
إنَّ من يتصل بالسماء ويتلقى الوحي عن الله لابد أنْ يتصف بجملة صفات منها العصمة ؛لأنَّه سوف يبلغ عن الله ، وله حق الطاعة على الناس ،والتي هي جزء من طاعة الله – قال تعالى – (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) (قل أطيعوا الله والرسول ) (من يطع الرسول فقد أطاع الله ) (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) “لذلك كانت عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله ضرورة من ضرورات صدقهم والثقة في هذا البلاغ الإلهي الذى اختيروا ليقوموا به بين الناس..” وقد اتفق الأئمةُ على أنَّه صلى الله عليه وسلم معصومٌ فيما يبلِّغه عن ربه ولذا جاءت هذه العبارة عنهم :”كلٌّ أحد يؤخَذُ من قوله ويُترَك إلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم” “وفى التعبير عن إجماع الأمة على ضرورة العصمة للرسول فيما يبلغ عن الله ، يقول الإمام محمد عبده عن عصمة الرسل – كل الرسل -: “.. ومن لوازم ذلك بالضرورة: وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم ، وصحة عقولهم ، وصدقهم في أقوالهم ، وأمانتهم في تبليغ ما عهد إليهم أنْ يبلغوه ، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية ، وسلامة أبدانهم مما تنبو عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة ، وأنهم منزهون عما يضاد شيئًا من هذه الصفات ، وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهي بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أنْ تسطو عليها سطوة روحانية.. إنَّ من حكمة الصانع الحكيم – الذى أقام الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم – أنْ يجعل مِن مراتب الأنفس البشرية مرتبة يُعدُّ لها ، بمحض فضله ، بعض مَنْ يصطفيه من خلقه ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ، يميزهم بالفطرة السليمة ، ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه ، والأمانة على مكنون سره ، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه ، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته ، فيشرفون على الغيب بإذنه ، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه ، ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين ، نهاية الشاهد وبداية الغائب ، فهم في الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها ، هم وفد الآخرة في لباس من ليس من سكانها. “فالعصمة – كالمعجزة – ضرورة من ضرورات صدق الرسالة ، ومن مقتضيات حكمة من أرسل الرسل – عليهم السلام -..”إنَّ الرسول في مناطق وميادين التبليغ عن الله – سبحانه وتعالى معصوم – لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانبة الحق والصواب أو اختيار غير الأولى في مناطق وميادين التبليغ عن الله لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحي والبلاغ ، بل وإلى حكمة مَنْ اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس.. كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل – عليهم السلام .. فالرسول في هذا النطاق – نطاق التبليغ عن الله – معصوم قال تعالى (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) (6). ، ولذلك كانت طاعته طاعة لله ، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام.”ولم يرد البتة أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – خالف فيه أمر الله ؛ كأن يقول الله له: قل لعبادي يفعلوا كذا فلا يقول لهم ، أو يقول لهم خلاف هذا الأمر، وهذا لو وقع فإنّه مخالف للنبوة، ولذا لما سُحِرَ النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يُؤثِّر هذا السِّحْرُ في الجانب النبوي ، بل أثَّر في الجانب البشري “، ومن ثَمَّ فجانب التبليغ في النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الله هو فيه معصوم ، ويدل على هذا الجانب قوله تعالى : “وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى” [النجم: 3-4].ولهذا قال –تعالى-: “ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين”، [الحاقة : 44-47]. والأدلة في هذا المعنى متوافرة متكاثرة متواترة على أنه – صلى الله عليه وسلم- معصوم فيما يبلغ عن ربه – عز وجل-، لا يقع منه خلاف ذلك لا عمداً ولا سهواً ولا يشكل على هذا ما ورد في قصة الغرانيق المشهورة –” فهو إفك مفترى، وباطل مفتعل”
فالعصمة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيما يبلغ عن الله شرط لازم لتحقيق الصدق والثقة في البلاغ الإلهي ، وبدونها لا يكون هناك فارق بين الرسول وغيره من الحكماء والمصلحين ، ومن ثم لا يكون هناك فارق بين الوحى المعصوم والمعجز وبين الفلسفات والإبداعات البشرية التي يجوز عليها الخطأ والصواب.. فبدون العصمة تصبح الرسالة والوحي والبلاغ قول بشر ، بينما هي – بالعصمة – قول الله – سبحانه وتعالى – الذى بلغه وبينه المعصوم – عليه الصلاة والسلام -.. فعصمة المُبَلِّغ هي الشرط لعصمة البلاغ.. بل إنها – أيضًا – الشرط لنفى العبث وثبوت الحكمة لمن اصطفى الرسول وبعثه وأوحى إليه بهذا البلاغ.

عن arbstars

شاهد أيضاً

حينما تكون ن كالعنكبوت

بقلم محمد سعيد أبوالنصر طبيعة الأنثى الصبر والجلد ومساعدة الرجل ، لكن لو كانت المرأة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *