الرئيسية / أخبار مصرية / الوافدون .. وديعة الأزهر 

الوافدون .. وديعة الأزهر 

إعداد/ محمد مامون ليله
كتب الأستاذ الدكتور/ غانم السعيد رئيس قسم الأدب والنقد بالقاهرة جامعة الأزهر:
الطالب الوافد للدراسة في الأزهر الشريف بالنسبة لي هو عنوان لمعاني كثيرة متعددة فهو شاب غريب عن الأوطان والديار الذي ترك أهله ووطنه وهو لا يزال صبيا وشد رحاله إلى الأزهر يريد العلم وينشده .
كما أنه جاءنا غريب اللسان لا يعرف من العربية إلا كلمات تتناثر على لسانه ولكنها لا تعبر عن كامل احتياجاته.
وأيضا فإنه في ذات الوقت جاءنا فقيرا معدما يحتاج إلى من يتكفله ويرعاه ، كما أنه وهو في هذا السن في أمس الحاجة إلى رعاية أبوية تغدق عليه بالحنان لتعوضه عن ذلكم الحرمان العاطفي الذي تركه في وطنه عندما ترك حضن أمه وأبيه ولا بد أيضا معها هذه الأبوة من رقابة صارمة تبعده عن الانحراف والضياع.
وهذا الاحتياج يزداد ويشتد حينما يكون الوافد فتاة فا الأمانة تكون جسيمة ، والمسؤولية ثقيلة، إذا أن المتابعة لهؤلاء الطالبات تكون على مدار الساعة في اليوم والليلة ، وحل مشكلاتهن لا يحتمل تأجيلا ولا انتظارا فالقرارات بشأنهن لا بد وأن تكون سريعة وحاسمة.
وقد قام أزهرنا الشريف بهذه الأدوار كاملة منذ أن فتح أبوابه لاستقبال أبناء المسلمين من كل أنحاء الدنيا ليتعلموا في رحابه وبين جنباته وعلى يد شيوخه وعلمائه علوم الدين والدنيا ، وخصص لهم في قلب الجامع الأزهر الأورقة التي يسكنون فيها ويقيمون ، ولا تزال تلك الأروقة باقية بأسمائها تشهد لهذا الدور التاريخي لهذا المعهد العريق في تعليم أبناء المسلمين علوم الإسلام ، وعلوم العربية والفصحى لغة القرآن ، كرواق الأتراك ، ورواق المغاربة ، والهنود ، والشوام وغيرهم ، كما وفر لهم الأزهر طعامهم وشرابهم وحتى ملبسهم ومصروف جيبهم من أوقاف الأزهر ، وكانت معاملتهم في هذا الأمر كمعاملة الطلاب المصريين من أبناء الأزهر سواء بسواء.
وفي العصر الحديث تعمق دور الأزهر وزادت مسؤولياته تجاه هؤلاء الوافدين بعد أن أشتد إقبال أبناء المسلمين عليه من كل أنحاء الدنيا ، وأدركت الدولة المصرية الدور العظيم الذي يقوم به الأزهر في جميع أنحاء بلاد العالم حتى صار من أهم القوى الناعمة لمصر في هذه البلاد نظرا لما يحتله في نفوس أبنائها من مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة ، ولم ولن ينس التاريخ واقعة حمل سيارة الشيخ الباقوري — رحمه الله — على الأكتاف من قبل المواطنين حينما سافر في وفد رئاسي إلى إحدى الدول الأفريقية وما ذلك إلا لأنه أزهري يرتدي الزي الأزهري ( العمامة والكاكولا ) ، فالعالم الأزهري كان ولا يزال يرونه كأنه مَلَكٌ نزل إليهم من السماء فيتبركون به ويتمسحون بثيابه.
ولأهمية هذا الدور قامت الدولة المصرية بإنشاء مدينة البعوث الإسلامية لتستضيف أبناء المسلمين من الطلاب والطالبات ، وهي تعد مفخرة لمصر وللأزهر الشريف إذ لا يوجد في دولة عربية ولا إسلامية ولا في العالم كله مدينة بهذا المستوى تقوم بهذا الدور لأبناء المسلمين إذ أن هذه المدينة توفر للطالب والطالبة الوافدة معيشة كاملة من الطعام والشراب والإشراف الإداري والعلمي على أعلى مستوى من الجودة والاتقان والانضباط ، وليس هذا كله فحسب ولكن يتم منح كل طالب وطالبة مصروفا شهريا لتوفير احتياجاته الخاصة ، بالإضافة إلى المجانية الكاملة في التعليم ، ومن يدخل إلى هذه المدينة سيأخذه العجب عندما يرى فيها طلاب العلم من كل جنسيات الدنيا من الأسود والأبيض والأصفر والأحمر والهندي والأفريقي ، والماليزي والأندنوسي والقوقازي والصربي ، والغربي والشرقي ، وما يقام من أنشطة ثقافية ودينية ورياضية وغير ذلك .
إن الزائر لها لا بد وأن يعي حجم المسؤولية الملقاة على تلك المؤسسة ، وما تتحمله من أعباء تنوء من تحملها بعض الدول.
ولقد أثَّر فيَّ مشهد مهيب لم ولن أنساه أبدا وذلك عندما ذهبت من مدة ليست ببعيدة إلى مدينة البعوث محكِّمًا في إحدى مسابقات الشعر التي تقيمها هذه المدينة بين طلابها ، فاستمعت لشعر عربي فصيح وبلاغة وبيان رائع تترنم به تلك الألسنة على اختلاف جنسياتها وشعرت بالعربية الفصحى تتراقص ألفاظها على شفافههم وكأني أستمع إلى كبار الشعراء في العصر الجاهلي والعباسي ، والمدهش في ذلك أنهم طوَّفوا بشعرهم حول قضايا المسلمين المعاصرة من مأساة فلسطين إلى قضية مسلمي الروهينجا في مينمار .
والموقف الذي اقشعر له بدني وارتجف له فؤادي كان حينما دخلت إلى مسجد تلك المدينة لنصلي العشاء ، وعندما تجمَّع الجمع واصطفت الصفوف وجدتني في مجمَّع إسلامي لا نظير له إلا في الحرمين مكة والمدينة ، ولكن زاد من جلال المشهد وروعته أنه بعد أن انتهت الصلاة تحولق الطلاب مع بعضهم في حلقات بعضها تقرأ الحديث ، وبعضها تقرأ الفقه ، وأخرى تقرأ في النحو والصرف ، وأخرى تقرأ في القرءات القرآنية ، وأخرى يتناشدون فيها الشعر … الخ .
ومما لفت نظري في هذه الليلة ذلكم الجامع الرائع المبهر الذي صمم ليكون قريبا في هيئته ومساحته من جامع الأزهر الشريف حتى يغرس في نفوس الطلاب معنى الأزهر الجامع والجامعة.
وإذا كانت الأمانة تفرض علينا أن نقول شهادة حق لله ولرسوله ثم للتاريخ بعيدا عن اتهامات المجاملة والنفاق فإني أشهد الله أن ما أقوله سمعته من الطلاب الوافدين أنفسهم ، كما أنها الحقائق التي ينطق بها الواقع الموجود على الأرض ، وتتلخص هذه الشهادة في أن الوافدين في عهد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر يعيشون أفضل أيامهم وأسعد أوقاتهم ، إذا أن الإمام مجبول بفطرته على حب هؤلاء الطلاب ، وتمتلئ حناياه تقديرا لهم وتعظيما لمهمتهم في رفع راية الإسلام الوسطي في بلادهم ، ويتعامل معهم معاملة الأب الذي افتقدوه ، والراعي المؤتمن على رعيته ، وعلى الرغم من كثرة مشاغله وعظيم مسؤولياته فهو يتابع أحوالهم عن كثب يوما بيوم وكثيرا ما يتدخل شخصيا في حل مشكلة خاصة لطالب أو لطالبة ويأخذه الغضب ويتخذ القرارات الحاسمة إذا ما شعر بأي تقصير من أي مسؤول صغير أو كبير في تعامله مع هؤلاء الوافدين .
وإذا عددت إنجازات فضيلة الإمام مع أبنائه من الوافدين فهي أكثر من أن تعد وتحصى لأن فيها جوانب معنوية يعجز عنها الحصر والعدُّ .
ومن إنجازات هذا العهد الميمون ارتفاع عدد الطلاب الملتحقين بالأزهر إلى ما يقرب من خمسين ألفا من أكثر من مائة دولة.
كما رفع فضيلته قيمة المنحة الشهرية لكل طالب وطالبة مرتين الأولى من ثمانين إلى مائتين ، ثم وفي الأخرى خمسمائة ، كما منح فضيلته كل طالب تذكرة سفر إلى بلده كل سنتين بعد أن كان يأتي إلى مصر ولا يعود إلى بلده وأهله إلا بعد أن تنتهي دراسته في الأزهر التي قد تستغرق أكثر من عشر سنوات وذلك لضيق ذات اليد ، فكان ذلك يمثل عبئا نفسيا شديدا الأثر على الطلاب .
ولا تتوقف رعايته للطلاب الوافدين عند تخرجهم من الجامعة ، بل إن من يلتحق منهم بالدراسات العليا فإنه أيضا يشملهم برعايته وبخاصة الفقراء منهم فيسمح لهم بالإقامة في مدينة البعوث ، كما أنه كثيرا ما يتحمل مصروفاتهم الدراسية ، وأذكر أن أحد الملتحقين منهم بالدراسات العليا قد تعثر في دفع المصروفات المقررة عليه كل سنة حتى تراكمت عليه عند مناقشته للماجستير ، ولما عجز عن السداد ذهب إلى فضيلة الإمام والتقى به شخصيا وشرح ظروفه فلم يتردد في تحمل تلك المصروفات وفي أحيان كثيرة تكون مثل هذه النفقات من ماله الخاص .
ولهذا الاهتمام الفائق من فضيلة الإمام بأبنائه الوافدين أصبحوا يطلقون عليه ( أبو الوافدين ) .
ولعل رسالة الإمام تصل إلى جميع العاملين بمؤسسة الأزهر الشريف من مسؤولين وأعضاء هيئة تدريس وإداريين فيستشعرون أمانة المسؤولية الملقاة عليهم تجاه هؤلاء الوافدين الذين تركوا أوطانهم وأهلهم وجاءوا إلى الأزهر المعمور يتلقون العلم في رحابه وبين جنباته ليعودوا إلى بلادهم بفكر مستنير ، وفهم معتدل للدين ، وليكونوا رسل الأزهر في كل أنحاء الدنيا .
والله وراء القصد وهو الهادي إلى الطريق المستقيم.

عن arbstars

شاهد أيضاً

الموسيقار عمر خيرت في لندن

كتب وليد شفيق تحت رعاية السفارة المصرية في لندن، تقوم الجمعية الخيرية لرعاية الطفل FACE …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *